تقديم بقلم فضيلة الدكتور فريد عبد الخالق

الثلاثاء، 16 أغسطس 2011


بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم بقلم فضيلة الدكتور فريد عبد الخالق [1]

أشهد أن لديَ قناعة قد توفرت لهذا المؤَلَف القيِّم بعد الاطلاع على محتوياته؛ كافة المقومات الأساسية التي تسلكه في مجاله كدراسة علمية يعتد بها في موضوعها ومرجعيتها، متمثلة فيما يلي :

أولاً – ما يتعلق بالسبب الذي قام من أجله الكاتب بإعداد هذا الموضوع، ذلك الباحث المدقق الملمّ بجوانب الموضوع ومجالاته الأستاذ محمد مسعد ياقوت ، وأي داعية الكتابة في هذا الموضوع – على الصعيدين الداخلي والخارجي – حيث يشغل التيار الإسلامي السياسي في هذه الحقبة حيّزًا كبيرًا ومتناميًا على المسرح السياسي في دول عربية وإسلامية كثيرة – يثير لدى خصومه من غلاة العلمانية  واللبرالية مجموعة تساؤلات وهواجس عن علاقة هذا التيار بالديمقراطية والحريات والتعددية السياسية والمجتمعية – المطروحة حاليًا – وفيها قضية وضع غير المسلمين في الدول الإسلامية، وقضية المرأة وحقوقها المدنية، والحداثة ، وعلاقة الدين بالسياسة، والدولة الدينية وحوار الأديان والحضارات، وهو ما يشغل حيزًا كبيرًا، وحدة أوفر عند الغرب؛ عبروا عنه " بالاسلاموفوبيا"، ومحاربة الإرهاب والتطرف، وربطوا بين ذلك وبين العولمة الاستعمارية الجديدة ، التي تتبعها الإدارة الأمريكية التي ترمي إلى تفكيك عرى الأمة العربية والإسلامية واختراق وحدتها وأمنها ومقوماتها كما حدث في غزو أفغانستان والعراق، وما يحدث من الكيان الصهيوني في المنطقة، في توافق في الاستراتيجية الاستعمارية ، واستخدام القوة في المنطقة لتحقيق أهدافهما وعلى رأسها الاستيلاء على النفط، والإبقاء على الشرق الأوسط دولاً مفككة وسوقًا استهلاكيًا لمنتجاتهم، وإعاقة وحدتها، وتنميتها، بكل الطرق .. وتحت أسماء ودعاوى مختلفة باطلة، ومنها دعوى الحرب الصليبية التي أعلنها بوش في أول كلمة له بعد أحداث 11 سبتمبر الشهيرة، وإعلان مشروعه الإمبراطوري الاستعماري المعروف باسم الشرق الأوسط الجديد، الذي أفشلته المقاومة في جنوب لبنان وفي العراق، وفي بؤر المقاومة الشعبية الساخنة في دول المنطقة، وتأبي شعوب العالم العربي والإسلامي على العولمة والعلمنة التي تستهدف سلخه عن دينه وهويته الحضارية وانقياده لأعدائه ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا في محاولات مخططة، ومنها اختراق أنظمته الحاكمة، والتجويع، والمعونات المشروطة، وتهديد الأمن الغذائي، وإقامة القواعد العسكرية في أرض العرب والمسلمين، وتفجير النعرات المذهبية والخلافات العرقية والمشاحنات الأيدلوجية .

ثانيًا : أما العنصر الثاني من بين هذه المقومات الأساسية لبحث الأستاذ ياقوت، فيتمثل في مكانة الموضوع وتداعياته لدى شعوب  عالمنا العربي والإسلامي، عقيدة وسياسة وإعلامًا ، وتقدمه في سلم الأولويات التي تشغل اهتمامات عالمنا العربي والإسلامي، والطموحات التي يتطلع إليها لبناء وحدتها وحراسة أمنها القومي وإحياء ثقافتها، وحضارتها ، وتجديد فكرها، وحشد طاقاتها من أجل بلوغ ما الحد الأوفى في الكرامة وتأمين حقوق المواطن وحرياته ، وإتاحة الفرصة للشعوب العربية والإسلامية ممارسة حقوقها  الدستورية والسياسية وحقها في اختيار حكامها، وممثليها من البرلمانيين، وحقها في مساءلة الحاكم وتغييره عند المقتضى سلميًا.

إن صفة " الرحمة " موضوع الدراسة التي بين أيدينا، تشكل عنصرًا جوهريًا في هذه الدراسة، الذي اختار المؤلف " نبي الرحمة" عنونًا لها . وهي الرحمة النبوية للبشر التي نجح المؤلف في عرضها بمفوهمها الواسع، دون تكلف  خلال فصول دراسته ونصوصها، من تناول جامع في وجازة غير مخلة لسيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – قبل البعثة وبعدها، وفي مكة قبل الهجرة، وفي المدينة بعدها، حيث أقام الرسول – صلى الله عليه وسلم - مجتمعًا مدنيًا، ودولة مدنية على أساس مبدأ المواطنة ومساواة كافة مواطني الدولة في الحقوق والواجبات ...
وقد تناول الكتاب هذه العناصر في مباحث متعددة، في هيكلية تتسم بالموضوعية، وتكامل في التناول، مع الوفاء بجوانب الدراسة، والاعتماد على المصادر الأصلية الموثوقة، ومن ثم يجد القارىء في ذلك تحقيقًا لدعاية القراءة .

وثمت عنصر آخر لابد منه في ذلك ؛ وهو ما أوتي الباحث من توفيق و إخلاص لوجه الله وتحري الصدق والحق دون هوى صارف أو تعصب زميم، أو جهل مقعد، في كل ما قال..
أحيه !
أحييه كذلك ولا أزكي على الله أحدًا ، ولكن من باب معرفة الفضل لأهله. وهذا العنصر لا بديل عنه لكل باحث مصلح، وهو توفيق الله له فيما ابتغاه من إصلاح وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ماستطاع لا يألو فيه جهدًا، يتوثق بالله في إمضاء الأمر على سنته ويطلب منه المعونة والتأييد من الله، كما في قوله تعالى :
" إن إريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" [ هود : 88].

هذا، وأريد أن أقف على مادة هذا المؤَلَف الموسوعية الواضحة الدلالة ، الأمينة الوصف، في لمحات محدودة فيما يلي :
أولاً – التأكيد على أن " الرحمة " خصيصة سائدة في شرع الإسلام كله ، كتابًا وسنة، ونظامًا وحياة، وتعاملاً مع الآخر ، في كل حال من سلم أو حرب، ومن تمكين أو ضعف، كما في قوله تعالى :
" هذا بصائر للناس، وهدى ورحمة لقوم يوقنون " .
فالقرآن كله بمنزلة بصائر للقلوب، لأقوم حياة للناس كافة، وهداية للناس من الضلال، ورحمة للمهتدين به كما هو رحمة للمارقين من حيث تأخير عقوبتهم في الدنيا، لعلهم يهتدون .. فشريعة الإسلام رحمة كلها ..

ثانيًا – إن رحمة الله بمخلوقاته هي الصفة العظمى التي اختارها الله سبحانه لوصف نفسه بها ، دون غيرها من الصفات، وهي كلها عظيمة وشريفة ..
فذكرها سبحانه في سورة الفاتحة التي لا صلاة لمن لا يقرأ بها – كما في صحيح الحديث – والتي سميت أم الكتاب، لاشتمالها على كليات العقيدة الإسلامية، فاختارها لتتوكد قيمة الرحمة- في كل صلاة- في وجدان المسلم ..  بما في ذلك كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها ..

ثالثًا - إن الرحمة كانت خصلة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم تفارقه قط في كل سيرته، وفي كل مراحل حياته وأحواله، فكان – صلى الله عليه وسلم – كما قالت عائشة : " خلقه القرآن " الذي هو رحمة !
وقد قال له ربه – يحثه على نهج الرحمة - : " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" .. أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس، وأخلاقهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا .. كقوله – صلى الله عليه وسلم - : " يسروا ولا تعسروا " ..
وقد أمره الله بالمعرف، أي الجميل من الأفعال والأقوال .. ونهاه عن مكافئة السفهاء بسفههم، أو مماراتهم،  وأمره بالحلم عنهم، والإعراض عن إساءتهم .
لقد أمره الله أن يصل من قطعه ، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه .. وأرسله ليتمم مكارم الأخلاق، وبشيرًا ونذيرًا ومربيًا ومرشدًا للعالمين .. وحجابًا للعالمين من عذاب الاستئصال والانتقام العام في الدنيا، لقوله تعالى :
" وما كان الله معذبهم وأنت فيهم " .
ومن رحمته – صلى الله عليه وسلم – أن كان على أعلى درجة في الحرص على الناس والخوف الشديد عليهم من الهلاك والضلال، ورغبته الشديدة في رفع العنت عنهم ، قال تعالى :
" لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رءوف رحيم " .

رابعًا – لقد رفع الله ذكر نبيه في محكم التنزيل، ومن رفع الله ذكره لا يحط في الناس، وإن اجتمعوا له، وإنما يحطون من أنفسهم. فما صدر من ذلك من قبل الرسوم الكاركاتورية التي تسيء له ولدينه، من رجل دين مسيحي متعصب، أو إعلام غربي مصهين، بدعوى حرية التعبير، إنما هي إساءة لكل البشرية .
وبالمثل تلك الإساءات الأخرى كتصريحات بابا الفاتيكان المسيئة للنبي محمد – صلى الله عليه وسلم – أو صدور كتاب " نبي الخراب " على أوسع نطاق لمؤلف يتهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقطع الطريق والشذوذ الجنسي .. كلها تسيء – في حقيقة الأمر - إلى تاريخ الإنسانية في حق الأنبياء والشرائع السماوية . إنها ردة حضارية ! ونزعة إلحادية ! ونكسة آدمية ! تجاهلت حتى آراء المنصفين من علماء الغرب أنفسهم، ممن قالوا كلمة الحق وشهادة الصدق في النبي – صلى الله عليه وسلم – وعرفت له مكانته .

خامسًا - لقد جعل الله تعالى من محمد – صلى الله عليه وسلم – " أسوة حسنة"  وقدوة عظمى للمؤمنين، يقتدي به كل إنسان يريد أن يؤدي رسالة حضارية على كوكب الأرض . قال تعالى : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر " .. وهي شهادة من الله تعالى " لكريم خصاله – صلى الله عليه وسلم - .
لقد أوجب الله التأسي به – صلى الله عليه وسلم – في كل أمور الدين ومهام الإصلاح . وهو مع ذلك ليس بدعًا من الرسل، بل كان بشرًا مثلهم ، كما في قوله تعالى : " قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولاً " .. أي رسولاً كسائر الرسول، بشرًا كسائر البشر، فالاقتداء به داخل في حدود البشرية، وهو المؤمنون مؤمورن بشرع الله كما في قوله تعالى : " فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير" [ هود: 112]، إنها الاستقامة التي صار عليها الرسول، على جادة الحق، غير عادل عنها، ولا خارج عن حدود الله، وكان المَعلم الأول والمرشد الأكبر في إزالة الطغيان وردع الظالمين وحكام الجور، وهو مع ذلك رحمة للحكام والمحكومين، ورحمة بالأمة جمعاء .

سادسًا- رحمات النبي – صلى الله عليه وسلم – في حجة الوداع، وفي خطبته التاريخية فيها- في السنة العاشرة – حيث حج – صلى الله عليه وسلم – بالناس حجة، ودع فيها المسلمين ولم يحج بعدها ..
كانت سلسلة من الرحمات تلك الوصايا الجليلة التي اشتملت عليه خطبته :
رحمته – صلى الله عليه وسلم - بالناس في تحريم الدماء والأموال، رحمته بالناس في معاملاتهم بتحريم الربا.
رحمته بالناس بأن وضع عنهم دماء الجاهلية، ومآثر الجاهلية ..
رحمته بالنساء إذا قال : "أيها الناس! فإن لكم على نسائكم حقًا ، ولهن عليكم حقًا ، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربًا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا ، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا ، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولي ، فإني قد بلغت " .
ورحمته بالمؤمنين، ألا يضرب بعضهم بعضًا .. فقال- في خطابه الخالد - " ألا ! لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض؛ ألا هل بلَّغت .. اللهم أشهد"
" قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله "..
ورحمته بالناس في ألا يتفاضلوا إلا بالتقوى .. " كلكم لآدم وآدم من تراب"،" لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى " ..
ورحمته بالناس بإرساء قيم العدالة، لاسيما بين الأبناء والعدل في الإرث، فلا تجوز لوارث وصية في أكثر من الثلث ..
ورحمته بالأبناء في حفظ النسب،في قوله : " الولد للفراش وللعاهر الحجر"، ومن ادعي إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل من صرف ولا عدل" ..
وقد ختم – صلى الله عليه وسلم – خطبته بقوله : "  والسلام عليكم ورحمة الله " . فختم كلمة الوداع ووصاياه بالسلام والرحمة !

وأخيرًا يطيب لي أن أختم مقدمتي هذه بالإعراب عن تقديري وشكري لمؤسسة الزهراء للإعلام العربي التي أصدرت هذا الكتاب الموسوعي القيم من كل الوجوه، وبالدعاء إلى الله لصاحبها الأستاذ الفاضل والإعلامي النابه والكاتب الحاذق " أحمد رائف " بدوام التوفيق في أداء رسالته الدعوية والوطنية، وبحسن الجزاء عما قدم من عطاء لأمته، وبعافية الدين والبدن وبالحفظ من كل سوء ..

كما أدعو الله تعالى أن يرزق مؤلف هذا الكتاب الفذ في موضوعه وفي منهج البحث الذي اتبعه في دراسته، أحسن الجزاء عما تجشم من جهد علمي في إعداد مادته، والوفاء بجوانب الموضوع التي غطّت حاجة ملحة  لدى الأمة في التعريف بالإسلام ، وخصائصه الحضارية، ومميزاته التنويرية، وشمائل نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – والتي أهمها الرحمة التي تجلت في كل سيرته، قبل البعثة وبعدها، وفي الحرب والسلم، وفي تعامله مع الصديق والعدو، وإيثار الرفق والتيسير، على العنف والتعسير، والحوار على الصدام والبطش ، والتعاون بين الناس على اختلاف الملل والتوجهات في كل ما تصلح به الحياة، ويوفر الأمن لكل المواطنين، ويحقق للبشرية التنمية والسلام..
أكثر الله من أمثال باحثنا الكريم الأستاذ محمد مسعد ياقوت، وأمده بعونه، وحفظه، وزاده إيمانًا مع إيمان، وعلمًا فوق علم، ونفع به الملة والأمة وهدى به البشر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وكان حق علينا نصر المؤمنين..
فريد عبد الخالق 






[1] فضيلة الدكتور فريد عبد الخالق أحد رموز الدعوة الإسلامية في القرن العشرين، عمل مديرا عامًا لدار الكتب المصرية ودار الوثائق القومية في السبعينيات، ثم وكيلا لوزارة الثقافة المصرية، وهو صاحب أحد أهم المؤلفات التي تناولت نظام الحكم في الإسلام وهو كتاب " في الفقه السياسي الإسلامي " .

-----------------------------------------------

مشاركات ذات الصلة

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
;